“هناك عدة طرق لجعل الآخرين يريدون ما تريد، حيث يمكنك إكراههم بالتهديدات،contraindre par menaces ويمكنك تحفيزهم بالدافع، motivation كما يمكنك جذبهم واستضافتهم لجعلهم يريدوا ما تريد، وهذه هي القوة الناعمة. Soft power والتي يصفها (Joseph S. Nye). في كتابه “”مستقبل القوة”” “”the future of power”” بانها أكثر من مجرد تأثير، لأن التأثير يمكن أن يعتمد على القوة الصلبة للتهديدات أو المدفوعات،وايضاً القوة الناعمة فهي أكثر من مجرد الإقناع أو القدرة على تحريك الناس بالحجة، بل فهي القدرة على الجاذبية التي تقود غالبًا إلى الرضا.
فهذا المفهوم المعاصر لنوع جديد من القوة لم يبلوره أكاديمي منغمس في كتبه وأبحاثه ينتظر من سيلتفت اليها لتجريبها على ارض الواقع .وانما من صاغها هو جوزيف صموئيل ناي، أستاذ العلوم السياسية وعميد مدرسة جون كينيدي في جامعات هارفارد الذي تولى عدة مناصب رسمية سامية منها مساعد وزير الدفاع للشؤون الأمنية الدولية في حكومة بيل كلينتون ورئيس مجلس الاستخبارات الوطني .فالرجل اذن كانت بيده القوة الصلبة العسكرية منها والاقتصادية والقوة الامنية والاستخباراتية لكنه نَظَّرَ لقوة من نوع آخر (ناعمة)حتى أصبحت اتجاها جديدا في السياسة الدولية . خاصة إذا علمنا انه في العلاقات الدولية كانت الدول ذات سيادة هي الفاعل الأساسي والوحيد منذ صلح استفاليا traités de westphalie سنة 1648 الذي أنهى حرب التلاثين سنة التي مزقت الامراطورية الرومانية المقدسة للامة الجرمانية وكذلك حرب الثمانون سنة التي انهكت إسبانيا و مملكة الأراضي المنخفضة المتحدة .
الا انه في القرن العشرين دخل فاعلون جدد في العلاقات الدولية أهمهم المنظمات الدولية والشركات المتعددة الجنسيات والمنظمات الدولية غير حكومية (المجتمع المدني )وهذا موضوع آخر.
في هذا السياق أصبحت القوة الناعمة soft power مادة اساسية للتدريس في كبرى الجامعات والمعاهد العالمية . ومجالا للتنافس والإبداع بين الدول .ممادفع مؤسسة استشارية بريطانية Brand finance إلى تصنيف كل الدول الأعضاء في الامم المتحدة (193 ) وذلك وفق ثماني مؤشرات فرعية مكونة للقوة الناعمة وهي :الأعمال والتجارة، والحكامة، والعلاقات الدولية، والثقافة والتقاليد، والإعلام والاتصال، والتعليم والعلوم، والسكان والقيم، ثم المستقبل المستدام .
هذه المؤسسة هي نفسها التي صنفت المغرب هده السنة في المرتبة 50 بعدما كان في المرتبة 55 .وهكذا تكون بلادنا هي الاولى على المستوى المغاربي والثالثة افريقيا بعد كل من مصر وجنوب افريقيا .وبالتالي من حق بلادنا (حكومة ومجتمعا) ان تعتز بهذا التصنيف الجديد لانه يعزز الامل عند المواطن وبان المستقبل ممكن ان يكون احسن إِنْ على مستوى تحسن جودة معيشه اليومي، او على مستوى رقي تموقع المغرب داخل المنظومة الدولية .
ليبقى السؤال هل نطمئن لهذا التصنيف ولهذه الرتبة ام نحللها ونخضعها لقراءة نقدية لأنها مرتبة لا تشرف بلدنا والمغرب (يستاهل احسن) .
مع العلم ان العناصر الفرعية الثمانية المكونة لمؤشر القوة الناعمة المعتمدة لا تحتاج إلى دخل قومي مرتفع .لأنها مؤشرات تقيم الكيف ،وليس الكم .
اي كيف هو مناخ الأعمال بالبلد ؟كيف يُدَبَرُ الشأن العام ؟كيف هي وجودة حكامته ؟كيف يعيش المجتمع اختلافه داخل وحدته ؟كيف ينظم العلاقة بين الجنسين ؟ كيف يستوعب كل فئاته ؟كيف يعبر عن نفسه؟ وكيف نتقبل هذا التعبير في تعدد اشكاله ? كيف نهتم بتقافتنا وتراثنا ؟ كيف نضمن مشاركة الناس في قضايا الناس ؟….
الجواب على كل هذه الاسئلة وغيرها هو الذي سيجعل هذا البلد او ذاك اكثر جاذبية او لا .مما سيحدد حجم تاثيره في محيطه الإقليمي والدولي .
ومما لا شك فيه، ان المغرب له من الإمكانيات والقيم في تراثه وتاريخه، والتي دققها الاستاذ عبد الله بوصوف في كتابه حول تَمَغْرَبيت، ما يجعل تعبئتها وتحيينها ومأساتها رافعة لمكانة بلادنا داخل المجتمع الدولي .
وفي هذا السياق اعتقد ان المجهود العام الذي يمكن ان نقوم به كدولة ومجتمع في اربع قضايا من شأنه المساهمة بقسط وافر في انتقال بلادنا من المرتبة 50 إلى مرتبة احسن بكثير ،مع ضمان ديمومتها :
أولاها ،قضايا النساء المغربيات حيث اصبح من الحكمة تسريع وتيرة الإنجاز في هذا المجال خاصة على مستوى مؤشر المساوات بين الجنسين .فرغم المجهود العام الذي لا يمكن انكاره ،إلا ان بطء الوثيرة يجعل بلدنا في المرتبة 110 عالميا .فيكفي الاشارة ان نسبة النساء النشيطات في سوق الشغل ،بعدما كان يصل ل 26% سابقا فمع الأسف الارقام الحالية تتأجج بين 19 و 23 % لا غير، من السكان النشيطين .
اما على مستوى الأحوال الشخصية فان مناسبة مراجعة المدونة هي فرصة اخرى لرفع مظاهر الحيف لتؤكد بلادنا اننا مجتمع ينتمي إلى المستقبل. وان كل محاولة للرجوع إلى الخلف فهي مجرد عرقلة مرحلية محكوم عليها بالزوال .
ثانيهما، ان المغرب الذي له اكثر من ستة ملايين مواطنة ومواطن لا يسكنون المغرب لكن المغرب يسكنهم واكدوا ذللك منذ الستينات من القرن الماضى.
فمع الأسف لازلنا لحد الان في البريكول وليست هناك اية سياسة عمومية اتجاه مغاربة العالم من شأنها ان تحول هذا الخزان من الكفاءات والخبرات وحب الوطن إلى منارات إشعاعية مؤثرة في العالم بقيمها وثقافتها .
ثالثها، ان ديمومة الاستقرار في اي بلد في العالم هي رهينة بكيفية تدبير المجتمع لخلافاته وصراعاته احيانا مع وجود الاليات ،المؤسساتية والمجتمعية التي من شأنها ،امتصاص التوتر والقلق، ولم لا الاصطدام بين الدولة والمجتمع ؟. وفي بلادنا ما تعرفه وضعية النقابات والأحزاب في تقديري يساهم بقسط وافر في تعتر المسلسل الديمقراطي في برمته .وبالتالي استمرار هذا الحال من المحال طبعا . كما ان المجتمع المدني المغربي يحتاج إلى هامش اكبر فهو يزخر بالطاقات الإبداعية ويمكنه كقطاع ثالت تسريع مسلسل التنمية في أبعادها المتعددة مع مأسسة التضامن وضمان المشاركة الواسعة للناس في الحياة العامة .
رابعها ،ان المجتمع الذي يطمع التأثير في محيطه الدولي وفي الآخر بدون قوة صلبة. لابد وان يكون مجتمعا يعتز هو ،بهويته وثقافته وانتمائه وهذا لا يمكن بلوغه إلا بالحسم في الازدواجية اللغوية التي لم نستطع الحسم ثقافيا لحد الان فيها ء،كما فعل المصريون منذ زمان،
مع الاشارة ان هذا الأمر ليست له اية علاقة مع تعلم واتقان اللغات الأجنبية وخاصة الأكثر اتشارا في العالم . وبذلك ستصبح اللغة العربية والأمازيغية لا لغتا الهوامش مجاليا ولا لغتا (الناس لي تحت )فقط .
“
القوة … عندما تصير ناعمة
—
by