الجالية …. لعبة الأرقام

“كنت دائما اعتقد ان هناك صعوبة موضوعية لحصر عدد أفراد الجالية المغربية المقيمة بالخارج وذلك للأسباب التالية على الاقل :
١-ان عدد المسجلين بالقنصليات المغربية هو جد محدود مقارنة مع واقع الحال .
٢-المغربي المقيم بالخارج لا يسجل نفسه وأسرته بديهيا بالقنصلية بمجرد التحاقه ببلد الإقامة كما هو مرغوب فيه . فهو لا يقوم بذالك إلا إذا كان في حاجة إلى وثيقة ادارية .ولعل هذا الفتور في العلاقة له ما يبرره ثقافيا. مع الاشارة ان المجهود الذي تم القيام به بالقنصليات يستحق التنويه به ، لا على مستوى البنايات ،ولا على مستوى الاستقبال اوالمساطر المعتمدة .
٣- ان القنصليات لازالت لا تغطي كل المناطق التي تتواجد بها الجالية المغربية المقيمة بالخارج .
وبالتالي يتطلب الانتقال من منطقة العمل او الدراسة إلى مقر القنصلية العامة او مصلحة قنصلية بالسفارة ،إلى الكثير من التفكير لتدبير الوقت وفي بعض الاحيان الكثير من الإمكانيات.
٤-ان عدد المسجلين بمكاتب الهجرة بدول الاستقبال لا يشمل الا الذين هم في وضعية نظامية في حين ان الذين في وضعية غير نظامية وما اكثرهم لا يستطيعون الاقتراب من مكاتب الهجرة خوفا من شحنهم في اول طائرة ليلية .
كما ان هذه المكاتب بكل الدول تسقط من الإحصاء كل من اكتسب جنسية بلد الإقامة، لكونه اصبح مواطنا لذلك البلد .وما اكثرهم كذلك خاصة بعدما تم رفع المانع النفسي والثقافي الذي كان يكبل الجيل الاول للهجرة من اجل التجنيس في حين تحرر منه بشكل مطلق الجيل الثاني والثالث .بل الأدهى من ذالك فقد برز نوع جديد من الهجرة يشمل الأثرياء حتى لا أقول رجال الأعمال من جهة والأطر العليا من جهة اخرى و من بين غايات هذا النوع من الحركية هو الحصول على الباسبور الأحمر وما ادراك ما الباسبور الأحمر او الأزرق …لان الأخضر حدو طنجة .
ويمكن ان نطلق عليها بدون تردد “”هجرة الباسبور الأحمر “”
ولهذا فلا يمكن اعتماد اي رقم حتى ذلك الذي تعلن عنه الوزارة المعنبة لكونها هي نفسها ليست قطعية وهي تعلن عن رقم معين فهو يتغير بتغير المنبر والمناسبة وظروف التصريح . وشخصيا استمعت في اجتماعات اللجنة الوزارية الخاصة بالهجرة وشؤون الجالية المغربية إلى رقم وفي البرلمان بمناسبة تقديم الميزانية إلى رقم آخر وعند تقديم تقرير المغرب امام لجنة الأمم المتحدة المعنية بحماية حقوق جميع العمال المهاجرين و أسرهم عند تقديم التقرير التاني للمغرب بجنيف رقم جديد .
وهكذا فأقل رقم ذكر هو ثلاثة ملايين ونصف وأكبرهم ستة ملايين ونيف .اي ما بين 10%و20% من الساكنة على قاعدة آخر إحصاء عام للسكان لسنة 2014 قامت به المندوبية السامية للتخطيط.
قد يتساءل البعض وماذا بعد؟ وماذا سيغير من الواقع هذا الرقم او ذاك.؟
أكيد ان ضبط الأرقام ليس هدف في حد ذاته ولكنه الممر الطبيعي والوحيد لكل سياسة عمومية جادة ومسؤولة .
السيد رئيس الحكومة في برنامجه الانتخابي تحدث عن الجالية باعتبارها الجهة ١٣ وهي فكرة جيدة لكن ما هي المعطيات الرقمية لهذه الجهة ؟ لقد صدق من قال “”ان ما لا يمكن قياسه لا يمكن تدبيره”” ولعله لهذا السبب بالذات فهذا القطاع لم يعرف اي استقرار مؤسساتي منذ زمان .
فمن وزير منتدب لدى الوزير الاول ايام رفيق الحداوي إلى كاتب الدولة لدا وزارة الخارجية مع الوردي الى نائب كاتب الدولة مع لحسن كابون إلى وزيرة منتدبة بوزارة الخارجية والتعاون لاحقا ايام نزهة الشقروني إلى محمد عامر وعبداللطيف معزوز منتدبين لدى رئيس الحكومة فوزير كامل مع انيس بيرو مع اظافة الهجرة .فالعودة إلى منتدب لدا وزارة الخارجية مع كل من بنعتيق والوافي وبعدهما الفراغ .
وتعليقا على هذه الفسيفساء يصنف صديق عزيز لي ومتابع جيد لهذا القطاع ان هؤلاء المسؤولين كان منهم le missionnaire اي الوزير السياسي الذي له رؤية استراتيجية وينجز مهمة محددة الأهداف .ومنهم le fonctionnaire الذي كان موظفا بدرجة وزير يجول هنا وهناك بالطائرة ويرحب بالجالبة عند العودة بالميناء .
ومنهم le démissionnaire وهذه العينة دخلت إلى هذا المجال عن طريق الغلط ولم يتم تداركه حتى انتهت الولاية .
وكما هي القاعدة ببلادنا فليس هناك لا امتحان إداري ولا تقييم سياسي عند نهاية الولاية .مادام ان تقلد المناصب السياسية تتم ‏par convocation et pas par vocation
ان المعروف في علم الإحصاء ان الرقم المجرد والمعزول عن بنيته لا يعتبر مؤشراً. فلابد للرقم ان يكون مسنودا، فعندما نقول ان عدد افرد الجالية الذين زاروا المغرب هذه السنة هو ثلاثة ملايين .فدلالته تتغير ان كان عدد المقيمين بالخارج هو 3,5 ملايين او سبعة ملايين .وعندما نعلم ان هناك حوالي 60 قنصلية مغربية في الخارج فمن يستطيع ان يقول هل هي كافية ام لا في غياب رقم مرجعي .
اعتقد انه آن الأوان للخروج من المنطقة الرمادية فالادارة المغربية لها من الخبرة والدراية الكافية لقراءة كل المتغيرات في هذه المعادلة للخروج برقم يصور الواقع كما هو او على الأقل قريب منه ،مع تخويل المندوبية السامية للتخطيط وحدها ضبط الأرقام واحتكار الإعلان عنها .
اعلم ان الأمر ليس بهذه البساطة ،كما اعتقد اني اعلم بعض ما يخفي هذا الأمر. لكني افضل ان أكون بطيء الفهم على ان اكون سيء الظن .”