مدونة الاسرة …كل واحد يحسب فلوسو

“مما لا شك فيه ان في محيط السيد رئيس الحكومة عزيز أخنوش هناك من يمسك الاجندة ،ويعد الايام المتبقية لتسليم مسودة المشروع الجديد لمدونة الاسرة ،حسب الجدولة المحددة بوضوح في ستة اشهر لا غير كما وردت في نص الرسالة الملكية ،ليوم 26 شتنبر 2023 .
واذا كان السيد شكيب بنموسى رئيس لجنة اعداد النموذج التنموي في سنة 2020 وقبله في سنة 2010 السيد عمر عزيمان رئيس اللجنة الاستشارية للجهوية ،قد التمسا زمنا اظافيا لعمل اللجنتين .فهما لم يكونا في موقع يسمح بتسخير كل امكانيات الدولة ،البشرية منها والمادية ،لضمان سير عمل اللجنتين .بخلاف لجنة مراجعة المدونة ،فهي موضوعة مباشرة تحت مسؤولية رئيس الادارة والحكومة ،مما سيكون معه من الصعب سلك نفس الطريق .فأزمة كورونا خلفنا ،اما حرب غزة فبعيدة منا جغرافيا.
وبالرجوع الى اول مدونة للاحوال الشخصية ،-مباشرة بعد خروج الاستعمار الفرنسي -فقد صدرت بمقتضى خمس ظهائر ملكية اعدتها لجنة من العلماء كلفها المغفور له محمد الخامس رحمه الله وعين الزعيم علال الفاسي مقررا لها .وكانت ثلاثة اجتماعات خلال شهر نونبر 1957 كافية للموافقة على الكتابين الاول والثاني المتعلقين بالزواج والطلاق.
وسيكون من الخطأ الاعتقاد ان الامر كان يسيرا وهينا ، وبدون اصطدامات او اختلاف في المقاربات ووجهات النظر . فوزير العدل في حكومة امبارك البكاي كان قد اعدت وزارته مشروعا اوليا للمدونة مع مذكرة توضيحية بُنيت على معطيات احصائية وتحليل اجتماعي ونفسي للاسرة المغربية ، وقدمه لزميله في الحزب ورفيقه في المقاومة ،مقرر لجنة اعداد مدونة الاحوال الشخصية لكن علال الفاسي لم ياخد براي هذه الوزارة التي تقودها شخصية وطنية متبصرة واستباقية من حجم المرحوم عبد الكريم بنجلون التويمي أحد الموقعين على وثيقة المطالبة بالاستقلال ومؤسس واول رئيس للجمعية المغربية لمساندة الكفاح الفلسطيني والمحامي والقيادي بحزب الاستقلال .لكن يبدو ان طبيعة اعضاء اللجنة وخصوصية المرحلة لم تسمح حتى لمقررها المرحوم علال الفاسي بهامش لتصريف حتى قناعاته المتنورة هو شخصيا و المنشورة في مؤلفاته وكتبه حول المراة المغربية ومكانتها في المجتمع .ورغم ذالك تصرف الجميع تصرف الكبار فالموضوع اكبر من المزايدات .
وفي اكتوبر 1992 عين المغفور له الحسن الثاني رحمه الله لجنة لمراجعة مدونة الاحوال الشخصية واسند رئاستها لشخصية وطنية هامة .المستشار الملكي ورئيس مجلس النواب ،والوزير ،والسفير ،والقيادي السابق في حزب الشورى والاستقلال، الاستاذ عبد الهادي بوطالب المعروف بمواقفه وجهره باراءه وقناعاته . رغم انها كلفته الابعاد مرات عديدة من محيط القصر ومن المسؤولية حتى .وفي 10 شتنبر 1993 صدر ت الصيغة الجديدة لمدونة الاسرة .
ومرة اخرى ،فمن لا ذاكرة له هو من سيتصور ان الامر كان سلسا وبدون تدافع فكري وسياسي . فيكفي التذكير ان محاولتين قبل هذا التاريخ قد فشلتا في التوافق على نص .ورغم ذالك بقي الفاعلون السياسيون قادة كبارا . فالموضوع جلل لايقبل المزايدات .
في ابريل 2001 عين جلالة الملك محمد السادس لجنة ملكية استشارية لتعديل المدونة ترأستها شخصية قضائية ،الاستاذ ادريس الضحاك قبل ان يسند جلالة الملك قيادتها لرجل سياسي من العيار الثقيل والذي خبر دواليب الدولة كوزير عدة مرات وكامين عام لحزب الاستقلال . امحمد بوستة ،الذي اعتذر للمرحوم الحسن الثاني على التناوب باسم الكتلة الديمقراطية بسبب وزير الداخلية انذاك المرحوم ادريس البصري .
ورغم ان المرحوم بوستة ترأس اللجنة الملكية في مرحلة جد حساسة ،تميزت بالنقاش والمزايدات -التي ارادها البعض ان تكون عقائدية -حول الخطة الوطنية لادماج المراة في التنمية .والذي جعلت منها تيارات الاسلام السياسي الصاعدة انذاك والمستفيدة من انفتاح العهد الجديد معركة وجود بالنسبة لها . ومرة اخرى كان كبار الدولة في الموعد ليعلن جلالة الملك محمد السادس في افتتاح دورة اكتوبر 2003 وبالبرلمان عن نهاية مدونة الاحوال الشخصية وميلاد مدونة الاسرة مع اهم التعديلات .
وبذلك تكون المرحلة الاولى من النموذج المغربي قد اغلقت في تدبير ملف يختلط فيه الديني بالسياسي والاقتصادي بالمجتمعي والنفسي بالانتربولوجي.
وبعد عشرين سنة من الممارسة القضائية للمدونة هاهو جلالة الملك يوجه رسالة الى لرئيس الحكومة هذه المرة يوم 26 شتنبر 2023 . ويرسم له خريطة طريق لاعداد مسودة لمشروع المدونة .وعرضه على جلالته قبل وضعه على سكة التشريع .
وبكل المقاييس تشكل هذه المقاربة تطورا محمودا لمنهجية العمل .وثقة كبيرة في نظامنا المؤسساتي ،وتفعيلا لاليات الديمقراطية التمثيلية التي اختارها المغرب وسيلة لتدبير الشان العام .
هذه المنهجية كانت تفترض نخبة سياسية وفكرية تقدر اللحظة ،وتعزز المسار من اجل تطويره .بما يقتضي ذلك من نقاش نزيه كل من من موقعه وقناعاته ،لكن بدون تهريج ولا مزايدات سياسوية تقحم الديني في الانتخابي مع الهجوم على عددا من النساء المطالبات بالتطور والتغيير ورفع الحيف عن نصف المجتمع في ظل اسرة متوازنة منصفة وتحفظ الكرامة لكل افرادها .
ان تشخيص التدافع وتخوين من يخالفن الراي والموقف ومسهن في سمعتهن وحتى اعراضهن احيانا مع السعي لعزلهن عن باقي نساء المجتمع لاستقلالهن الاقتصادي والمادي ، هو ابتزاز فكري وهو اشد انواع الارهاب كما قال الشهيد عمر بن جلون الذي يعرفونه هولاء جيدا .
اما اذا كان من الضروري الحديث عن الفلوس نهمس لاحدهم ونقول له إن البَوْنَ شاسع مابين الاجر والريع. (وكُلُ واحد يحسب فلوسو) .
فماذا كان سيكتب الزعيم علال الفاسي في نقده الذاتي ؟وماذا كان سيحكي عبد الهادي بوطالب في “”نصف قرن في السياسة”” ؟وماذا كان سيكشف امحمد بوستة في مرافعاته ؟
لو كانوا شهودا على هذا العصر ؟ هًَزُلَتْ”