“ترتبط الافراح دائما، بمناسبات اسرية واجتماعية سارة. كالعقيقة او الزواج او حتى حفلات عيد الميلاد .والاصل ان هذه اللحظات الاجتماعية، هي مناسبات تٌبَرمج ويتم الاستعداد لها من كل الجوانب .حتى ان المغاربة يقولون “” عرس ليلة تدبيره عام”” وهذا يدل على حجم الاستعدادات والترتيبات الضرورية لذلك .
اما الوفاة ،فالاصل فيها انها فجائية “”فالاعمار بيد الله “”وبالتالي فالاسرة المفجوعة في احد افرادها، عادة لا تكون قد حضرت نفسها لهذا المصاب الجلل . وبالتالي ففي نفس اللحظة تجد الاسرة نفسها وسط دوامة ثلاثية الاضلع: -اولا ، تدبير حُرْقة الفراق بألمها النفسي وجرحها العاطفي .
-ثانيا تجهيز مراسيم الدفن من تغسيل لجثة المتوفي الى الاجراءات الادارية مع اشعار الاهل وانتظار وصول الاخوة والابناء .. .
-ثالثا تدبير اقامة الجنازة .
لكل هذه الاعتبارات وغيرها كان الموت عند المغاربة لحظة تضامن بامتياز ،حتى من تكون لك خصومة معه فلسان الكل يقول ( الموت هادي ما بقا خصام الله يسمح علينا ) “”واذكروا موتاكم بخير “” ولهذا تعددت اشكال التأزر والمواساة بتعدد المناطق المغربية ولعل اهمها تكفل الجيران والاقارب باطعام المعزين القادمين من مناطق بعيدة طيلة اليومين الاولين ،مع تظافر مجهود الجميع لضمان الاقامة والمبيت ، حتى تتفرغ الاسرة المكلومة لتضميد جراحها وتستعيد وعيها من حجم هول ما اصابها . وجرت العادة ان تقيم اسرة الهالك امسية دينية في اليوم الثالث يكون فيها الكسكس غداء للجسد وقراءة القرءان والامداح النبوية الشريفة اشباع للروح.
فكيف انتقلنا من هذا الوضع البسيط المطبوع برهبة اللحظة ،والمستحضر ليوم القيامة والدار الأخرة ،الى وضع اصبح فيه ما يخيف وما يرهب عائلة المتوفي ،ليس حُرْقة الفراق لفقدان عزيز ،فتلك تتغلب عليها الاسرة بالايمان بالله و تخفف ألمها بقوله تعالى “”وبشر الصابرين الذين اذا اصابتهم مصيبة قالوا ان لله وانا اليه راجعون )
لكن ما يرهب العائلة هي كيف ستواجه مستلزمات الجنازة ؟وهي غير مستعدة لذلك ، خاصة بعدما ترسخت بعض العادات والسلوكيات الاجتماعية وتجاوزت بذالك الفعل الديني وافسدته.
فمنذ اللحظة الاولى للوفاة وحسب الوضع الاجتماعي والسياسي والاداري للمتوفى او عائلته يصبح اختيار مكان الدفن مشكلة ، فَلُزوما يجب اختيار مقبرة تليق بالمقام، مع ما يتطلب ذالك من تدخلات ومصاريف ،وكأن هناك اصرار على استمرار التفاوت الاجتماعي حتى ما بعد الموت .
بعد ذلك تنطلق عملية اعداد تصريف قائمة الوجبات والماكولات والمشروبات والحلويات وفق برنامج محدد ومدقق .ما قبل الدفن واثناء الدفن وعند العودة بالمقبرة وما بين المغرب والعشاء.
وبعد ذالك يتوج هذا المسار بامسية يقال عنها دينية .فالمنشدون لا بد ان يكونوا مشهودا لهم ليس بالفلاح والصلاح والايمان وانما بالزي التقليدي الموحد والانيق والصوت الجميل ،فعلى نغماتهم يقدم ممول الحفلات وجبة العشاء التي يمكن ان يحضر فيها كل شيء الا الكسكس .
ليتفرق الجميع بعد احتساء la glace والدعاء للمرحوم.”
من الكسكس الى La GLACE
—
by